عبد الوهاب الشعراني

229

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

فكادت ترجع إليهم » . وفي القرآن العظيم : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ [ النحل : 112 ] . ففهمنا من هذه الآية أن النعم لا تتحول عن صاحبها وهو شاكر للّه تعالى أبدا . وقد أخبرنا الشيخ عبد الحليم بن مصلح ببلاد المنزلة رحمه اللّه تعالى قال : بيت جماعة من الفقراء في الزاوية حتى أزواجهم ، وكانوا يخدمون وأزواجهم في الزاوية ، فتركوا ذلك تكبرا ، فنقص رزقهم عما كان ، ثم إنهم طلبوا أن يعملوا لهم صنائع فنقص الرزق عما كان ، ثم تركوا الجلوس على السماط مع الفقراء والمساكين وصاروا يأخذون خبزهم وطعامهم منفردين متكبرين فنقص الرزق عما كان ، ثم اختصروا الأسباع التي رتبت عليهم فيها كل خمسة أحزاب وجعلوها حزبين ، وبعضهم جعلها ثلاثة ، واختصر المؤذنون نوب الأذان في الخمسة الأوقات إلى وقتين أو ثلاثة فنقص رزق المؤذنين وقراء الأسباع بقدر ما نقصوا ، وتعطل بعض الخراج عما كان ثم إنهم امتنعوا من خدمة بعضهم بعضا ، فصاروا لا يسافرون ليأتوا بالقمح والحطب مثلا إلا بعوض بعد أن كانوا يسافرون طلبا للأجر والثواب فنقص الرزق عما كان ، ثم إنهم امتنعوا عن السفر بالأجرة أيضا حين صار معهم بعض فلوس حصلوها من جوامكهم وأظهروا الغنى عن مثل ذلك فنقص الرزق عما كان ، ثم إنهم منعوا زوجاتهم عن غربلة القمح ترفها فنقص الرزق عما كان ، ثم إنهم منعوهن من العجين فنقص الرزق عما كان ، ثم إنهم طلبوا تخفيف عدد المجاورين فطلبوا التخصيص بتفرقة الجبن والعسل وغير ذلك عليهم وحدهم دون غيرهم فنقص الرزق عما كان ا ه . قلت : وقد ربيت أنا جماعة فكانوا في أرغد عيش فتحركت نفسهم لمحبة الدنيا فنقص رزقهم عما كان وكفروا بواسطتي لهم في الرزق ، فقلت لهم : إن اللّه تعالى كما جعل مفاتيح رزقكم بيدي كذلك ربما يجعل المنع بيدي عقوبة لكم فلم يسمعوا ، فما مكثت نحو شهر حتى وقع التفتيش في الأوقاف والرزق فخرجت جباة الزاوية كلها للسلطان ، فمنعوا يدنا عن استخراجها ، حتى يعرضوا فيها للسلطان ببلاد الروم ، فهي معطلة إلى الآن . قلت : وقد وعدني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة الجمعة العشرين من شهر صفر سنة ثمان وخمسين وتسعمائة بعودها إلى الزاوية إن تابوا ودخلوا في الأدب والتربية حتى يرجعوا عن جميع ما وقعوا فيه من أسباب تنقيص الرزق ا ه ولو أنهم سمعوا لشيخهم فيما يأمرهم به من الهدى ما تغير عليهم حال ، فإنه كرئيس المركب ، وكم غرقت مركب قال الرئيس للنوتية اطووا القلع في هذا الريح أو أرخوا حبل الراجع فلم يفعلوا فغرقت ، فاللّه تعالى